عاجلعلي مسؤليتي

التربية النبوية للأطفال وأثرها في البناء المجتمعيّ

Spread the love

                  بقلم

الشيخ محمد السعدي الازهري

الحمد لله الرحيم الرحمن، خلق الإنسان، علّمه البيان، أحسن الخلْق والإيجاد، وأكرمنا بالعطاء والإمداد، وأنعم علينا بالهداية والرشاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، خلق الإنسان في أحسن تقويم، ويسّـر له السبيل القويم، عنده مفاتح الغيب، لا يعلمها إلّا هو، ويعلم ما في البرّ والبحر، وأشهد أن سيد الدعاة وإمام الهُداة، سيدنا محمّد بن عبدالله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بِهُدَاه، وبعـــد:

فإنّ من أهم المراحل العمرية التي يمرّ بها الإنسان، هي مرحلة الطفولة، وهي تلك المرحلة التي يتم فيها الإعداد والتكوين للجيل الناشئ، كما أنّها المرحلة التي تُعدُّ حجر الأساس في بناء الإنسان، ومن ثَمَّ بناء المجتمع والأمة.

وصفحات الطفولة بيضاء ناصعـة، تكون فيما بعد وفقًا لما يُخطّ فيها ويُكتَب على مدار المرحلة وزمنها، وتُخطُّ في تلك الصفحـة المبادئ والقيم، وتُزرع فيها بذور الخير والصلاح، وعلى هذا فإنَّ بناء الطفل بناءً صحيحًا هو بناء للأمة، والطفل الذي نربيه اليوم على القيم والمبادئ، هو الرجل الصالح الذي يُسهم في نهضة المجتمع غدًا.

أولا: حقائق على أمانة الطفولة
===============
وقبل أن نغوص في أعماق التربية النبويـة للأطفال، يجب أن نـدرك هذه الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: الطفولـة أمانة في أعناقنا، قال صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))، والأمانة في حق الطفل ليست مجرد إطعامه وكسوته؛ بل تشمل تربيته على القيم الفاضلة، وتعليمه الأخلاق الحميدة، وربطه بربه ودينه.

الحقيقة الثانية: سيظل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة في كل أحوال حياته وفي سائر معاملاته وعلاقاتـه، وفي علاقته مع الأطفال فقد كان يُحسن إليهم، ويُلاطفهم، ويُعلمهم.

الحقيقة الثالثة: أهمية التربية الإيمانية في إعداد الأطفال: فإن أول ما يجب أن يُغرس في الطفل هو الإيمان بالله سبحانـه وتعالى، وحُبّ رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهذا الإيمان لا يتم غرسه بالأحلام والطموحات؛ بل بالإعداد والتكوين الإيجابي الفعّال.

الحقيقة الرابعة: تربية الأطفال في الإسلام ليست مجرد واجب؛ بل هي مشـروع بناء وحضارة للأُمَّة، يبدأ من بناء الفرد وإعداد الجيل الناشئ على أسس نافعة لِذَاتِهِ ومُجتمعه وأُمَّتِه.

ثانيًا: آداب التربية النبوية للأطفال
================
لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم أسساً عظيمة لتربية الأطفال، يمكن تلخيصها في الآتي:

1) التعليم بالحكمة والرفق: هذا نبينا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- كان يعلِّم الأطفال بالحكمة حتى عند وقوع الأخطاء منهم والأمثلة على ذلك كثيرة للغاية، ومنها توجيهه لابن عباس: (يا غلام، إني أعلمك كلمات)، ولتنظر في مضمون كلمة (يا غلام)، والتي تعني الحب والشفقة والرفق، وتعليمه للصبي الذي طاشت يده في الطعام، فقال له: (يا غلام: سمّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك).

2) التحفيز والتشجيع: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُشجع الأطفال ويُحفِّزهم. كما فعل مع ابن عمر -رضي اللهُ عنهما- حين قـال في شأنِه: (نِعْمَ الرجُل عبدالله لو كان يقوم من الليل).

3) التدرج في التكاليف: لقد راعَى الإسلام قدرات الأطفال، فلم يُكلِّفهم بما لا يطيقون، ورأينا ذلك في أمر النبوة لأولياء الأمور: ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْـر))، وهو جزء من التدرّج التربويّ، ويقول تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًـا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132].

4) الحوار والاستماع: ففي سنّة النبيّ -صلى الله عليه وسلَّم- نلحظ كثرة استماعه وحديثه إلى الأطفال، كحاله مع عُمير حين مات طائره، وأخذ يلاعبه ويستمع إليه، وفي مثال عظيم، كان أنس غلامًا يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرسَلَنِي لِحَاجَةٍ، فَخَرَجْتُ حتَّى أَمُرَّ علَى الصِّبْيَانِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ في السُّوقِ، فَإِذَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أَخَذَ بقَفَايَ مِن ورَائِي، فَنَظَرْتُ إلَيْهِ وَهو يَضْحَكُ، فَقالَ: يا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ قُلتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ” (رواه مسلم).، ويتضح هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازحه ويحاوره بلطف دون توبيخ، مما يدل على حسن استماعه وتقديره لمشاعر الصبيّ.

5) غرس العقيدة منذ الصغر: وقد علّم النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس -رضي الله عنهما- أن يعتمد على الله وحده، فقال: ((يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ))، ونستفيد من هذا بإرسـاء مفهوم الإيمان العميق في نفوس الأطفال وربطهم بالله -تعالى- عبر تعليمهم الدُّعاء والتوكّل.

6) الَّلعب والترفيه: وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلّم- يسمح للأطفال باللعب، حتى كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحمل الحسن والحسين على ظهره ويمازحهما، ويقول: “نِعْمَ المَرْكَبُ مَرْكَبُكُمَا، وَنِعْمَ الرَّاكِبَانِ أَنْتُمَا”. وفي الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَدْخُلُ علَيْنَا، وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُقَالُ له أَبُو عُمَيْرٍ، وَكانَ له نُغْرٌ (عصفور صغير) يَلْعَبُ به، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَرَآهُ مَحْزُونًا، فَقالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟” ويظهر هنا اهتمام النبي -صلى الله عليه وسلم- بحالة الطفل النفسية، إذ حاوره بطريقة لطيفة تناسب عمره، مواسيًا له بأسلوب مرح، ولاعبه وآنسَهُ باللعب والترفيه.

7) القدوة العملية: فالنبيّ -صلى الله عليه وسلم- كان يمثل القدوة للأطفال في كل تصـرفاته.، ومن المهم أن يكون الوالدان والمربون قدوة صالحة للأطفال في الأقوال والأفعال.

8) الدعاء لهم بالهدايـة وصلاح الحال: انظر إلى دعاء عباد الرّحمن في سورة الفرقان، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]. وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- كثيرًا يدعو للصبيان بالهداية والرشاد والفقه والعلم والحكمة والقيادة والفطنة، والأمثلة على ذلك كثيرة للغاية، ومنها: دعاء النبي لابن عباس بالفقـه والعلم، ودعاء الحبيب لحبيبه أنس بن مالك بطول العُمر وكثرة المال والولد، والدعاء العام للصبيان بـالبركة، وهو يمسح رؤوس بعضهم في عصـره، وهذا مبدأ نبويّ في حياة الأنبياء؛ كحال زكريا حين دعا: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْـكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38].. ومثل هذا السلوك النبوي الشـريف يصـرخ في نفوس بعض الآباء والأمهات الذين يدعون على أبنائهم في أيَّـام الناس هذه، وقد نهى النَبيّ عن الدعاء على الأبناء والبنات.

ثالثًا: وسائل تربوية نبوية وسُبُل الإفادة المعاصرة
==========================
لقد تعددت وسائل النبوة في التربية الوالدية والتعليم للصبيان، ومن بين ما نذكره هنا على سبيل البيان الإجمالي، ما يأتي:

1) التعليم بالقصص: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستخدم القصص لتوصيل القيم وتربية الجيل على الآداب والأخلاق، مثل قصة أصحاب الأخدود. نستطيع اليوم سرد القصص النبوية وربطها بواقع الأطفال.

2) التوجيه بالمـوقف: النبي وجه الحسن عندما رأى التمرة في فمه قائلاً: كَخْ كَخْ، أَمَا تَعْلَمُ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟ هذا يُظهر ضرورة تصحيح الخطأ بلطف، وكان يربيهم على الصدق، كما في حديث عبدالله بن عامر، حين دعته أمه، وقالت: هاك أعطيك!! وحذّرها من الكذب عليه.

3) الاهتمام بالمواهب: فلقد شجّع النبي الأطفال على التعلم وتنمية قدراتهم، كإرساله عبدالله ابن عباس في مهمات تعليمية، وما فعله مع زيد بن ثابت وتشجيعه له على تعلّم اللغات والترجمة للمخاطبات والمراسلات.

4) الرحمة واللين: فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلّم- يفيض رحمة على الأطفال، مما يجعلهم يشعرون بالأمان، وانظر إلى كمال رحمته مع الأطفال؛ حين تراه يتحسس خبر ولده إبراهيم في حال حياته، وبكاه عند مماته، وكان يتجوّز في صلاته مخافة الإطالة على أمهات الصبيان، وكان يقبّل الصبيان -كما اشتهر عنه صلى الله عليه وسلّم-، ومن هنا فمن الواجب علينا تعزيز بيئة آمنة نفسيًّا للأطفال في زمن تعددت مشكلاته ومُلهياتُه.

وأخيرًا – عباد الله:
===============
إنّ تربية النبي ﷺ للأطفال كانت شاملة ومتوازنة، وتطبيقها في الواقع المعاصر يتطلب فهم طبيعة الطفل واحتياجاته، مع استخدام أساليب تتوافق مع قيم الإسلام وروح العصر.
ولنكن على يقين بأنّ مثل هذا الأسلوب وتلك الوسائل التربوية كفيلة بإنتاج جيل رائد متميز، يقوَى على البناء وتحقيق النهضة والحضارة، ولنا أن ننظر في حياة الجيل الأول، لنرى ابن عباس -حبر الأمة، والمرجع في التفسير والفقه-، ولننظر إلى ابن الزبير، -تربية أم المؤمنين عائشة وكان فارسا شجاعا وقائدا بارعا-، وهذا أنس بن مالك -أحد رواة السّنّة وصاحب الأخلاق والقيم- وهذا ابن عمر -أحد أعلام الفقه والعلم، وقد قدّم نموذجًا للأجيال في الزهد والعبادة-، وهذا ابن ثابت الأنصاري -مترجم الرسول وكاتب الوحي، وكيف كان صاحب الفضل على كل مسلم بإيجاد نسخة واحدة من المصحف الشـريف، حين جمعه في عهد أبي بكر، ثم نسخه في حياة عثمان-، وغير هؤلاء كثير..

نسأل الله تعالى أن يُربِّي لنا أبناءنا على الإسلام..
وأن يستخدمنا وإياهم في مرضاته..
وأن يحفظ أُمّتنا بحفظه، وأن يشملها بنصره وكرمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق